قال موقع "ميدل إيست آي" إنه على غير ما عتقد الكثير عندما انتفض المصريون ضد حكم حسني مبارك في عام 2011، بالقضاء على الديكتاتورية، بل أنتجت نظامًا أكثر قسوة، وأكثر مركزية، وأكثر طموحًا في عنفه.
يقول الكاتب حسام الحملاوي إن كتابه الجديد "الثورة المضادة في مصر: جمهورية السيسي الجديدة"، والذي سيصدر في 5 مايو انبثق من سنوات من البحث، ومن تجربة شخصية أيضًا، فأنا لا أكتب بصفتي باحثًا في قطاع الأمن المصري فحسب، بل بصفتي شخصًا تعرض للاعتقال والتعذيب والمراقبة والإدراج في القوائم السوداء من قبل المؤسسات نفسها التي أحاول فهمها.
وأضاف: "بالنسبة لي، هذا ليس سؤالاً نظريًا حول صمود الأنظمة الاستبدادية، بل هو محاولة لتفسير كيف هُزمت ثورة هزت النظام من جذوره، ولماذا تبدو الدولة التي انبثقت من تلك الهزيمة مختلفة تمامًا عما كانت عليه سابقًا".
وأشار إلى أن القراءة السطحية لمسار مصر تلقي باللوم في فشل الثورة على متهمين مألوفين: عدم كفاءة جماعة الإخوان المسلمين، والانتهازية الليبرالية، والتشرذم اليساري، أو التدخل الأجنبي.
وأوضح أن "هناك بعض الحقيقة في تلك القصة، لكنها ليست القصة كاملة. فالثورات لا تفشل فقط بسبب أخطاء الثوار، بل أيضًا لأن قوى الثورة المضادة تتعلم من أخطائها، وتعيد تنظيم صفوفها، وتشن هجومًا مضادًا".
وأضاف: "في مصر، كان العامل الحاسم هو بقاء وتوحيد الجهاز القسري لاحقًا: الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات والبيروقراطية الأمنية المترامية الأطراف التي كانت تحمي النظام لفترة طويلة".
صعود الدولة البوليسية
وذكر الحملاوي أنه في عهد مبارك، كانت هذه المؤسسات قوية ولكنها متشرذمة، ولم يكن هذا التشتت عيبًا بل جزءًا من التصميم؛ إذ إنه منذ عام 1952، قام الحكام المصريون بتنظيم جهاز القمع لمنع الانقلابات، وكانت الأجهزة المتنافسة ذات الصلاحيات المتداخلة تراقب بعضها البعض.
وتابع: "كان للجيش والاستخبارات العامة والاستخبارات العسكرية ووزارة الداخلية مناطق نفوذهم الخاصة، ومصادر دعمهم الخاصة، وشكوكهم الخاصة، مبينًا أنه "لم يكن خوف مبارك الرئيس هو انتفاضة شعبية، بل كان، مثله مثل العديد من الحكام المستبدين، يخشى انقلابًا من الداخل".
وأردف: "لقد شكّل هذا الخوف بنية الدولة، كما أنه يساعد في تفسير سبب تبوؤ الشرطة مكانة مركزية في عهد مبارك. كان النظام بحاجة إلى قوة قادرة على قمع الاضطرابات دون الاعتماد بشكل كبير على الجيش".
وأشار إلى أنه "بمرور الوقت، أصبحت الشرطة مُسلّحة على نطاق واسع. وكان لما يسمى بالحرب على الإرهاب في التسعينيات دور حاسم في ذلك"، إذ رأى أن ذلك وفر غطاءً لتوسيع سلطة الشرطة، وتطبيع التعذيب، ومعاملة قطاعات واسعة من السكان، وخاصة الفقراء، كمجتمعات مشتبه بها يجب تهدئتها بدلاً من كونهم مواطنين يجب حمايتهم.
وقال إنه "في العقد الأول من الألفية الثانية، لم تعد الشرطة تكتفي بقمع المعارضة السياسية، بل كانت تحكم البلاد من خلال الترهيب اليومي. كان كل مصري تقريبًا يعرف معنى أن يتم إيقافه أو صفعه أو ابتزازه أو إذلاله أو تعذيبه".
ووصف مراكز الشرطة آنذاك بأنها كانت بمثابة غرف تعذيب، وأصبحت نقاط التفتيش أدوات للهيمنة الطبقية، وتم التعامل مع أحياء بأكملها على أنها مناطق معادية.
لذا، قال إنه عندما اندلعت الانتفاضة في يناير 2011، لم يكن من قبيل الصدفة أن يقوم المتظاهرون بإحراق مراكز الشرطة واستهداف مكاتب أمن الدولة. ولم تكن تلك الهجمات مجرد غضب أعمى، بل كانت أعمالاً تعكس وضوحًا سياسيًا. لقد أدرك الناس أين يكمن القمع.
النظام القديم.. والظروف الجديدة
وأشار الحملاوي إلى انهيار الشرطة في أعقاب اندلاع ثورة يناير، قائلاً: غالبًا ما تحجب المشاهد الشهيرة من ميدان التحرير حقيقة أساسية: في 28 يناير 2011، انهارت الشرطة. كان ذلك الانهيار بمثابة صدمة تاريخية للنظام، ولم يكن أمام مبارك خيار سوى استدعاء الجيش".
وشدد في الوقت ذاته على أن الجيش لم يكن مؤيدًا للثورة، لم يقتحم القاهرة لإنقاذ الانتفاضة، بل لإنقاذ الدولة. وقال إن ما منع الجنرالات من سحق الثورة على الفور لم يكن التعاطف مع المطالب الديمقراطية، بل الحسابات الدقيقة.
وأضاف: "أدركت القيادة العليا للجيش أن المذبحة قد تؤدي إلى تمرد بين الضباط ذوي الرتب الدنيا والمتوسطة أو المجندين، والذين كان العديد منهم أقرب اجتماعيًا إلى المتظاهرين من كبار الضباط. لذا لعب الجيش لعبة أكثر صبرًا. فقد ترك مبارك يسقط من أجل الحفاظ على النظام".
وتابع الحملاوي: "ثم تولت زمام الأمور في عملية الانتقال وعملت بشكل منهجي لاحتواء العملية الثورية وتجزئتها وإنهاءها"، لافتًا إلى أنه "لسنوات، كان هناك ميلٌ إلى تجميل موقف الجيش في بداياته عام 2011، كما لو كان فوق السياسة. لكنه لم يكن كذلك".
وأوضح: "لطالما كانت جهة فاعلة معادية للثورة، حتى عندما كانت تتحرك بحذر. نجح المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة عملية الانتقال ليس لتفكيك النظام القديم، بل لإنقاذه في ظل ظروف جديدة. وقد اتضح ذلك جليًا في الأشهر اللاحقة. تم حل جهاز أمن الدولة رسميُا، لكن موظفيه الأساسيين ووظائفه استمرت تحت اسم جديد".
في الوقت الذي أشار فيه إلى "قمع الجيش المتظاهرين، واستخدم المحاكمات العسكرية ضد المدنيين، ودافع عن نظام الإفلات من العقاب".
سوء فهم الدولة
في غضون ذلك، قال الكاتب إن جماعة الإخوان المسلمين اختارت بمجرد حصولها على السلطة البرلمانية والرئاسية، التوافق بدلاً من المواجهة، وبدلاً من إصلاح الشرطة أو أجهزة المخابرات بشكل جدي، سعت إلى كسب تأييدهم، وفشلت.
ورأى أن الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين أساءوا فهم الدولة، "لقد تصرفوا كما لو أن الشرعية الانتخابية تعني السلطة الفعلية، في الواقع، ورثوا مناصب سياسية، لكنهم لم يرثوا الحكم الفعلي. لقد حاولوا عقد صفقات مع مؤسسات لم تكن تنوي التخلي عن استقلاليتها أو امتيازاتها".
والأسوأ من ذلك كما قال، إنهم استعدوا قطاعات واسعة من المعسكر الثوري بينما تبنوا خطاب القانون والنظام ضد المعارضة.
ومع الوصول إلى 30 يونيو 2013، أشار إلى أن الأرض قد تم تجهيزها بالفعل لضربة ثورية مضادة حاسمة. فقد كان التحالف الذي مكّن من انقلاب عام 2013 واسع النطاق ومتناقضًا. إذ ضم فلول نظام مبارك، ونخب الأعمال، وقطاعات من السلطة القضائية، وموظفي الدولة، وشخصيات إعلامية، وليبراليين، وناصريين، وبعض اليساريين، وجماعات نسائية، ودوائر قبطية، جميعهم متحدون في عدائهم لحكم الإخوان المسلمين.
لكنه قال إن الجميع خدعوا عندما اعتقدوا أن الجيش سيتدخل، ويعزل مرسي، ثم يتراجع.
الجمهورية الجديدة
وقال الحملاوي: لم يكن صعود السيسي مجرد تغيير في هيكل السلطة، بل كان تحولاً جذريًا داخل الكتلة الحاكمة. فبعد عام 2011، لم يعد الخوف السائد داخل الدولة هو الانقلاب، بل أصبح الخوف من الشعب".
وأضاف: "كان الدرس الذي استخلصته الأجهزة القمعية من الانتفاضة واضحًا: لا تسمح أبدًا للمجتمع مرة أخرى بتهديد بقاء النظام". وأشار إلى أن ذلك تطلب إنهاء التشرذم القديم واستبداله بالتنسيق والتسلسل الهرمي وعقلية حرب مشتركة.
وقال إنه لأول مرة منذ عام 1952، تم توحيد جهاز القمع المصري بشكل فعال. لم تختفِ المنافسة تمامًا، لكنها خضعت لضرورة أسمى: منع ثورة أخرى. فقد استخدم السيسي المحسوبية والتطهير والمراقبة والتمكين الانتقائي لإخضاع الأجهزة الأمنية.
وازداد تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتكاثرت هيئات التنسيق، وأصبح قادة الأمن محورًا أساسيُا في الحكم. لم تكن النتيجة مجرد مزيد من القمع، بل نوعًا مختلفًا من الدولة، كما قال، "لهذا السبب أسميها الجمهورية الجديدة، أو الجمهورية الثانية بلغة النظام نفسه".
وفقًا له، "يجسد هذا المصطلح شيئًا لا يزال العديد من المراقبين يغفلون عنه. إن نظام السيسي يمثل نموذجًا جديدًا للحكم، نموذجًا لا يقتصر فيه دور الجيش وأجهزة الأمن على حماية الدولة من أعلى، بل يتعداه إلى استعمارها من الداخل بشكل متزايد".
وذكر أن هذا يتضح في البيروقراطية، حيث يشغل الضباط المتقاعدون مناصب مدنية على جميع المستويات، ويمكنك أن ترى ذلك في وسائل الإعلام، حيث تكون السيطرة أكثر إحكامًا ومباشرة مما كانت عليه في عهد مبارك.
ويمكنك أن ترى ذلك في التخطيط الحضري، حيث ترتبط عمليات الهدم وتوسيع الطرق والمدن الذكية والعاصمة الإدارية الجديدة بالمراقبة والأمن. ويتضح ذلك في طريقة التعامل مع الفضاء العام نفسه، الذي لم يعد يخضع للمراقبة فحسب، بل أعيد تصميمه لاستباق العمل الجماعي، كما يرصد الكاتب.
مع ذلك، رأى أن هذا النظام لا يمتلك عقدًا اجتماعيًا ذا مغزى. فهو لا يقدم إعادة توزيع للثروة على طريقة ناصر، ولا حتى صفقة مبارك الاستبدادية الأكثر مرونة، إنها تعتمد على القوة أكثر من الهيمنة، وعلى الإبادة أكثر من الإقناع.
ولهذا السبب، وصف العنف الجماعي في عهد السيسي بأنه ليس رد فعل كما كان عليه الحال في كثير من الأحيان في عهد مبارك، لكنه خطوة استباقية، واستعراضية، وكثيرًا ما تتسم بالطابع المسرحي. لم تكن رابعة حالة شاذة، بل كانت خطوة تأسيسية، إذ أعلنت عن أسس النظام الجديد.
وقال: "لا يزال هذا النظام صامدًا ليس لأنه محبوب، بل لأنه منظم. وقد استخلصت مؤسساته العبر من عام 2011. درسوا نقاط ضعفهم، ووحدوا صفوفهم، وأعادوا هيكلة الدولة وفقًا لذلك. وأي محاولة جادة لفهم مصر المعاصرة يجب أن تبدأ من هذه النقطة".
https://www.middleeasteye.net/discover/counterrevolution-egypt-how-sisi-broke-dream-new-republic

